الراغب الأصفهاني

321

الذريعة إلى مكارم الشريعة

والمخير بين أن يستغني عن الدنيا وبين أن يستغني بها كالمخير بين أن يكون مالكا أو مملوكا ، وقويا أو ضعيفا ، ومعافى أو مبتلى ، وحيا أو ميتا فمتى اختار الاستغناء بها فقد اختار أن يكون مملوكا وضعيفا وميتا ومبتلى « 1 » ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وانتكس وإذا شيك فلا انتقش » « 2 » وقيل لحكيم : لم لا تغتم ؟ فقال : لأني لم أتخذ ما يغمني . واعلم أنه ليس الزهد من ترك المكسب في شيء ، كما توهمه قوم أفرطوا حتى قربوا من مذهب المانوية والبراهمة والرهابنة ، « 3 » فإن ذلك يؤدي إلى

--> ( 1 ) من قوله « فمتى اختار » إلى « ومبتلى » سقطت من أوحدها . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) يشير إلى فرق مختلفة ، فالمانوية أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أزدشير ، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور ، وذلك بعد عيسى عليه السّلام ، أحدث دينا في المجوسية والنصرانية ، وكان يقول بنبوة المسيح ولا نبوة غيره ، وكان يزعم أن العالم مركب من أصلين قديمين هما : النور والظلمة / الشهرستاني / الملل والنحل / ج 2 / 49 . أما البراهمة فهم طائفة من الهنود ينتسبون إلى رجل منهم يقال له « براهم » وهم ينفون النبوات ، ويقرون استحالة ذلك ، ويقدمون على ذلك عدة أدلة عقلية في نظرهم ولكنها لا تصمد للمناقشة العقلية في حقيقة الأمر ، وقد تفرقوا فرقا عديدة فمنهم أصحاب الفكرة ومنهم أصحاب التناسخ . الملل والنحل / 3 / 95 ، 96 . وأما الرهبانية فهم فئة من النصارى تركوا الكسب والعمل وجلسوا في أديرة للكهانة والرهبنة وتحوم حولهم أساطير يبتدعها أصحابهم . وقد أخطأ بعض الزهاد حين ظنوا الزهد ترك المكسب وربطوه بالتوكل كما فهموه هم . الملل والنحل / 2 / 29 . تحقيق عبد العزيز الوكيل . طبعة الحلبي د . ت . ابن الجوزي / تلبيس إبليس / 282 - 286 .